كلية الألسن جامعة قناة السويس
 

اللغات والترجمة

لا أحد ينكر ما للترجمة من أهمية قصوى في نقل التراث الفكري بين الامم، ومالها من اثر في نمو المعرفة الانسانية عبر التاريخ. والترجمة عملية ذهنية وفكرية ولغوية معقدة تتطلب ابداعا مضاعفا ممن يقوم بها. فالمترجم لابد اولا ان يستوعب النص الذي كتب بلغة اخرى استيعابا يتعدى الشكل والاسلوب الى المضامين والافكار، وهذا امر يتطلب مهارة لغوية وفكرية نافذة، وبالتالي فانه بلا شك ينطوي على ابداع. والمترجم ثانيا لابد ان ينقل النص الى لغة اخرى تختلف في التركيب النحوي، ومجال الدلالات والمعاني، نقلا يضمن فهم النص بكل دلالاته ومعانيه، ويشمل كذلك اطاره الثقافي والتاريخي، وهذا عمل ينطوي على ابداع ايضا. ولذلك لا غرو ان نجد ان المشتغلين بالترجمة المبرزين فيها قلة من المختصين. ولاشك ان الترجمة في العصور الحاضرة مع ازدياد وتيرة التقدم العلمي، وتسارع الاكتشافات والاختراعات اصبحت ضرورة ملحة تحشد الدول النامية من اجلها كل الطاقات، وتوظف في سبيلها كل الامكانات وذلك بهدف اللحاق بالركب العلمي مع الحفاظ على الهوية اللغوية والثقافية، فالترجمة تكفل نقل العلوم والاستفادة منها مع المحافظة على اللغة القومية وتنميتها وعدم استبدالها بلغة وافدة تقضي على الهوية، وتمكن الثقافة الوافدة من اضعاف مضامين الوحدة السياسية.

 

فالترجمة هي السبيل إلى معرفة الآخر، والتواصل معه، وإيجاد التفاعل الثقافي والحضاري بين حضارتين. وهذا يصب في مصلحة الارتقاء بالحضارة الإنسانية عموماً، وفي إنضاج وتطوير ثقافات الأمم على وجه الخصوص. وبنفس القدر الذي تساعدنا فيه الترجمة في معرفة الآخر، فإنها تعيننا على إدراك حقيقتنا ومعرفة ذاتنا. فمن خلال ما تقدمه لنا عن الآخر، يمكننا أن نستوضح أوجه التشابه والاختلاف فيما بينه وبيننا، وعندما تتكون لدينا رؤية واضحة عن الآخر يمكننا حينها أن نقارن بينه وبين أنفسنا، كما أن اطلاعنا على الصورة التي رسمها لنا الآخر يجعلنا نقف على مواطن القوة والضعف فينا. فمن خلال الترجمة يمكننا أن نحصل على نقد الآخر لنا ومن خلالها أيضاً يمكننا أن ننتقد أنفسنا.